الموسيقى الأمازيغية في الراشيدية – ذاكرة وادي زيز النابضة
في جنوب شرق المغرب، حيث تلتقي واحات النخيل بكثبان الصحراء الذهبية، تنبض هوية عريقة لا تُروى فقط بالكلمات، بل بالنغم والإيقاع. الموسيقى الأمازيغية في الراشيدية ليست مجرد تراث، بل هي "سادن الهوية وقنديل يستمد نوره من التراث المحلي" . إنها الذاكرة الحية لقبائل المنطقة، وخزان أسرارها، ومرآة تعكس فرحها وحزنها، كرمها وصمودها. في هذا المقال، نغوص في أعماق هذا الفن الأصيل، نستعرض أنواعه، آلاته، أعلامه، والتحديات التي تواجهه في زمن العولمة .
أولاً: جذور الموسيقى الأمازيغية في الرشيدية – أكثر من مجرد تراث
الموسيقى الأمازيغية في المنطقة ليست ترفاً، بل كانت وما زالت:
1. ذاكرة الجماعة ومصدر الهوية: يؤكد الباحث في التراث، لحسن آيت لفقيه، أن الغناء الشعبي الأمازيغي "يعد مرادفاً للذاكرة الجماعية وللهوية والتاريخ، ولثقافة وشخصية سكان منطقة الجنوب الشرقي وخاصة بإقليم الرشيدية" . من خلاله يتعرف الأبناء على ماضيهم وقيم أجدادهم.
2. وسيلة للتواصل والتعبير: قبل انتشار وسائل الإعلام، كانت الأغنية الأمازيغية وسيلة لنقل الأخبار، التعبير عن المشاعر (الحب، الفخر، الحنين، الفقد)، وتوثيق الأحداث التاريخية.
3. مدرسة للقيم: تحمل كلماتها حكماً ومواعظ في الكرم والشجاعة والتسامح واحترام الجار. إنها "خزان للعديد من الأحداث التاريخية ومنبر للتعبير عن الرأي ومدرسة لتعلم القيم الحميدة" .
4. متنفس في قسوة البيئة: في قلب الواحة والجبل والصحراء، كان الغناء والرقص متنفساً من قسوة الحياة اليومية .
ثانياً: ألوان الطرب الأمازيغي بتنوع قبائل الرشيدية
تتميز منطقة الرشيدية بتنوع قبلي كبير (آيت عطا، آيت مرغاد، آيت سغروشن، آيت يحيى، آيت موسى...)، ولكل قبيلة لونها الغنائي الخاص، وإليك أبرز هذه الألوان :
1. أحديوس (ⴰⵃⵉⴷⵓⵙ) – فخر الجماعة والرقصة الجماعية:
· الوصف: هو الرقص الجماعي الأمازيغي بامتياز. يصطف الرجال (وأحياناً النساء في حلقات منفصلة) في صفين متقابلين أو دائرة واحدة، يتكاتفون بالأيدي، ويتحركون على إيقاع طبول "الطبل" و"الكر" و"الناقة" (آلة وترية)، ويرددون القصائد.
· المناسبات: يقام في الأعراس، الأعياد الدينية، والمواسم (الأسبوع الثقافي أو مهرجان التمر).
· جماله: تكمن قوته في التلاحم الجماعي، حيث يصبح المئات جسداً واحداً ينبض بإيقاع واحد، في مشهد يخطف الأنفاس.
2. تامديازت / إزلي (Tamedyazt / Izli) – غناء الحب والشعر:
· الوصف: نوع من الشعر الغنائي الفردي أو الثنائي (رجال ونساء). يؤدى بأسلوب لحني حزين أحياناً، أو عذب رقيق أحياناً أخرى.
· الموضوعات: كلماتها غالباً ما تكون عن الحب (العذري)، الغزل، والحنين إلى الحبيب أو الديار. تعتبر "إزلي" أغاني الحب والغزل العذري.
3. بوغانيم (Bouganim) – ترحيب بالضيوف:
· الوصف: فن ترحيبي بحت. يؤدي في بداية الحفلات والمواسم، لاستقبال الضيوف وتقديم التهاني. طابعها سريع ومبهج ومصمم لرفع الروح المعنوية.
4. الكناوي (أو كناوة تافيلالت) – إيقاعات إفريقية وروحانية:
· الوصف: يظهر بوضوح التأثير الإفريقي في هذا اللون. يعتمد على آلة "الگمبري" (آلة وترية بثلاثة أوتار) و"القراقب" (الدفوف المعدنية)، وإيقاعات ثنائية سريعة .
· الطابع: غالباً ما يرتبط بالطقوس الروحانية (الدرس) والمديح النبوي.
5. أهنزاز (Ahnzzaz) – رقصة العرس النسائية:
· الوصف: نوع من الرقص الجماعي الخاص بالنساء. يتمايلن على أنغام طبول خاصة، وترديد كلمات ترحيبية بالعروس وتوجيه النصائح لها.
6. أحواز (Ahouaz) – جماعي بامتياز:
· الوصف: مشابه لأحديوس، لكنه قد يختلف في الإيقاع وتنظيم الحلقة. يشارك فيه الرجال في حلقة ضاربة بالطبول والتصفيق، وتقف النساء في حلقة داخلية أو خارجية يرقصن.
أشكال غنائية وشعرية أخرى متنوعة:
وفقاً للباحث عمر حمداوي، يتعدد الأجناس الشعرية الأمازيغية بالمنطقة بشكل مذهل، منها: "وارو، وبايبي، والفال، وأزنزي، وتكزومت، وتمديازت، وإزلي، وتزهزاكيت، وليلي، وتموايت، وإيزلوي، وأسركض، وتاكزيمت، وتكوري، وأخام س د نكشم، وتيمناضين" . كما توجد أشكال مميزة أخرى مثل:
· باهبي (Bahbi) – قصائد الحكمة والملاحم.
· الذكر / أنيحيانا عايد أوا – أغانٍ ذات طابع ديني وروحي .
ثالثاً: آلات الموسيقى التقليدية في وادي زيز
تتنوع الآلات المستخدمة في الموسيقى الأمازيغية بالرشيدية، بعضها قديم وبعضها أدخل حديثاً :
الآلة الوصف صوتها ودورها
الطبل (أو تالونت) طبلة أسطوانية من خشب مغطاة بجلد الماعز من جهة أو جهتين. قلب الإيقاع، تمنح الرقص والغناء ثباتهما. تضرب بالعصي أو الأيدي لخلق إيقاعات حربية واحتفالية.
الناقة / الكنبري (الگمبري) آلة وترية بثلاثة أوتار (أو أربعة أحياناً). جسمها خشبي مغطى بجلد. تمنح العمق، تعزف الألحان الأساسية. صوتها الحزين والعميق يسمى "روح الموسيقى الصحراوية" .
القراقب (الكراكب) صفائح معدنية صغيرة على شكل صاجات توضع بين الأصابع وتضرب إحداها بالأخرى. تخلق إيقاعاً معدنياً سريعاً ومبهجاً. ترافق رقصات النساء (التكيتكة) والكناوة والطقوس الروحانية.
التار (أو ألالو) دف خشبي دائري بجلد رقيق يضرب باليدين. يرافق الغناء الهادئ وأغاني الحضانة، وغالباً ما تستخدمه النساء في حفلات الحناء والأفراح المنزلية.
الناي قصبة مجوفة طويلة. صوته الشجي الذي يشبه الريح في الوادي يعزف في مقدمات القصائد الحزينة والرومانسية.
الكمان (حديث) كمان كلاسيكي أدخل إلى الفرق منذ النصف الثاني من القرن العشرين. يعطي عمقاً وحساسية للحن، ويستخدم في العيطة الحديثة والأغنية الأمازيغية المعاصرة.
رابعاً: أشهر شعراء وفناني الرشيدية (رجال ونساء)
من أبرز شعراء وفناني المنطقة الذين صنعوا هذا التراث، والذين "مازالت الذاكرة المحلية تردد انتاجاتهم في المناسبات الاجتماعية وعلى رأسها حفلات الأعراس" :
· حماد أداود (Hammou Addawd) و علي أداود (Ali Addawd): أسطورة موسيقى آيت عطا بمنطقة تنجداد.
· مبارك أعزى (Mubarak Aazzi) و أمغار موحى (اعـيـاط) و باسو لكرون (Basu Lkrun).
· أعزيز (Azziz) و مولاي حماد أوطاهر (Moulay Hammad ou Tahar).
· زايد أبجنا (Zayed Abjna) و حماد بوعزمة (هاشم) (Hammad Buazma).
وهناك أيضاً شعراء من منطقة فركلى (تنجداد) وغيرها ساهموا في إثراء هذا الموروث .
خامساً: الموسيقى الأمازيغية والمرأة في الرشيدية
لعبت المرأة دوراً محورياً في الحفاظ على الموسيقى الأمازيغية، سواء في الغناء الفردي (إزلي) أو في الرقصات الجماعية النسائية (أهنزاز والتكيتكة). كانت المرأة هي الحارسة الأولى للأغاني المرتبطة بالحياة اليومية: أغاني المهد، أغاني الحصاد، أغاني الحناء، وأغاني الحزن (الرثاء). وأيضاً برزت بعض الرايسات (المغنيات) الشعبيات بأصوات قوية وكلمات صادقة عن معاناة المرأة وتطلعاتها.
سادساً: التحديات وجهود الحفاظ على التراث
التحديات :
1. الشفوية والاندثار: طبيعة التراث الشفهي تجعله عرضة للضياع مع رحيل كبار السن والروايس.
2. التهميش والزحف الثقافي: غياب الدعم الكافي، وهجرة الشباب، وتفضيل الأجيال الجديدة للموسيقى العصرية (الراي، البوب، الراب) أدى إلى تراجع العزف على الآلات التقليدية.
3. قلة التوثيق: قلة الدراسات الأكاديمية والجهود المنهجية لجمع هذا التراث وتصنيفه وتدوينه.
جهود الحفظ :
1. مبادرات فردية وجمعوية: وجود باحثين مثل لحسن آيت لفقيه وعمر حمداوي وسعيد كريمي (رئيس فرع اتحاد كتاب المغرب بالرشيدية) الذين يكرسون جهودهم لجمع وتوثيق هذا الموروث.
2. مشاريع أكاديمية: مثل مؤلف "التراث الشفهي بتافيلالت: الأنماط والمكونات" الذي جمع جهود أكثر من أربعين باحثاً، وهو ما يعتبره الخبراء "بداية أولى من أجل إعادة الاعتبار لتراث فني متعدد الإثنيات واللغات" .
3. إحياء التراث: قيام بعض الفنانين الشباب بإعادة تقديم الأغاني القديمة بأسلوب عصري يحافظ على روحها، واستثمار الطلبة الجامعيين لهذا التراث في أبحاثهم.
4. تنظيم المهرجانات: مهرجانات محلية مثل "مهرجان وادي زيز للتراث" في كلميمة، و"موسم الريصاني" السنوي، والتي تخصص فقرات للفنون الأمازيغية.
سابعاً: كيف تختبر الموسيقى الأمازيغية الأصيلة في الرشيدية اليوم؟
· احضر العرس التقليدي (الأصالة): سيغنون لكم وسيحتفلون بكم وترقصون "أحديوس" حتى الفجر.
· اذهب إلى المهرجانات والمواسم: تعتبر فرصة رائعة للاستمتاع بعروض جماعية منسقة.
· ابحث عن مقاهي السهرات الشعبية: في الرشيدية القديمة أو كلميمة، توجد مقاهي تقدم "سهرات" مع فرق محلية صغيرة.
· اسأل كبار السن: اجلس مع جد أو عجوز في القصر، واسأله عن أغنية قديمة، فالكثير منهم يحفظون قصائد كاملة. لا تنس أن تسجل بصوتك (بإذنهم) كذكريات.
· استكشف على الإنترنت (للسماع الافتراضي): ابحث في يوتيوب عن كلمات مثل:
· أحيدوس تافيلالت
· تامديازت أمازيغية الرشيدية
· أغاني آيت عطا تنجداد
· بوغانيم زيز
الموسيقى الأمازيغية في الرشيدية ليست مجرد نوتات وإيقاعات، بل هي روح المكان وهويتنا التي تنبض عبر الزمن. إنها ذاكرة وطن وقنديل تراث يستمد نوره من عمق التاريخ الأصيل. الحفاظ عليها ليس ترفاً أو حنيناً للماضي، بل هو واجب. إنه تصالح مع تاريخنا، وفهم لحاضرنا، واستثمار في مستقبل هويتنا. فلنستمع، ولنرقص، ولنروِ لأبنائنا غداً أننا نملك فناً لا يشبه أي فن في العالم .