تنجداد – مدينة التاريخ والماء
: تنجداد: جوهرة وادي زيز المخفية ببيوتها الطينية وقنواتها المائية
على بعد حوالي 45 كيلومتراً من الرشيدية، على طريق الراشيدية - ورزازات، تقع "تنجداد". قد لا تجد اسمها في كتيبات السياحة الأكثر مبيعاً، لكنها بالنسبة لمن يعرفها جوهرة حقيقية. تنجداد ليست مجرد مدينة عابرة، بل هي معلم حي لهندسة الري القديمة والعمارة الطينية.
أولاً: معنى الاسم والموقع
اسم "تنجداد" أمازيغي الأصل (منطقة زناتة). هناك عدة تفاسير لمعناه، منها "مكان اجتماع المياه" أو "المرتفع المطل على الوادي". والاسم يصفها بأمانة: تنجداد تستقر على هضبة صخرية مشرفة على وادي زيز، وكانت عبر التاريخ نقطة مراقبة طبيعية للمنطقة.
ثانياً: قنوات "الخطارات" – أروع ما فيها
ما يميز تنجداد حقاً ليس منازلها الطينية فحسب، بل نظام الري السريري القديم جداً المسمى "الخطارات" (أو "الفقارات" في بعض اللهجات).
· كيف تعمل؟: يحفر العمال قديماً أفقياً في باطن الأرض (عبر الصخر أحياناً) لمسافات تصل لعدة كيلومترات، ليصلوا إلى مستوى المياه الجوفية أو عين ماء. ثم يشقون قنوات تحت الأرض تجلب الماء إلى أراضي الواحة بالجاذبية فقط، دون أي مضخة. هذا يمنع التبخر في مناخ صحراوي حار.
· أهميتها: خطارات تنجداد تعتبر من أقدم وأجمل هذه الأنظمة في المغرب كله (منافسةً لنظام "القنوات" في إيران). بعضها عمره يتجاوز 500 سنة ومازال يعمل حتى اليوم.
· مشاهدتها: تظهر "الخطارات" على سطح الأرض عبر سلسلة من "الآبار" العمودية (فتحات دائرية للتهوية والصيانة). منظر هذه الآبار الممتدة في خط مستقيم وسط واحة النخيل هو مشهد لا ينسى.
ثالثاً: عمارة طينية تصمد أمام الزمن
· قصر تنجداد القديم: لا يزال قصر تنجداد القديم (وسط المدينة الحالي) يحتفظ بهيكله الطيني. أزقته الضيقة تشكل متاهة ممتعة، وكثير من الأبواب مزينة بنقوش بسيطة.
· المسجد الجامع: مبني من الطين أيضاً، له مئذنة بسيطة، وكان مركزاً دينياً وعلمياً للمنطقة حتى نهاية القرن التاسع عشر.
· البيوت: تتميز بيوت تنجداد التقليدية بسقفها المستند على جذوع النخيل وحجارتها الرملية الوردية (خاصة عند القصر القديم).
رابعاً: الحياة في تنجداد اليوم وفرص سياحية ضائعة
تنجداد اليوم مدينة صغيرة هادئة. سكانها ما زالوا فلاحين يعتمدون على النخيل والزراعات المحتاجة للماء (القمح، الشعير). لكنها تواجه عدة مشاكل:
· جفاف الخطارات: بسبب كثرة الآبار الحديثة العميقة والسحب الجائر للمياه الجوفية، بدأت بعض "الخطارات" تجف تدريجياً.
· تآكل المباني الطينية: كثير من القصور والأزقة القديمة أصبحت مهددة بالانهيار، حيث يفضل الناس البيوت الإسمنتية الحديثة.
· إمكانات سياحية مهدرة: مع كل هذه المقومات (تاريخ، هندسة ري فريدة، عمارة طينية، مناظر طبيعية)، تستقبل تنجداد عدداً ضئيلاً جداً من الزوار. تحتاج المدينة لاستراتيجية سياحية تحافظ على تراثها وتخلق دخلاً لأهلها.
تنجداد تذكرنا بأن التقدم لا يعني بالضرورة تخلينا عن الحكمة القديمة. خطاراتها ونخيلها وبيوتها الطينية هي كنز وطني يستحق الحماية. إذا كنت من عشاق التاريخ والهندسة الريفية، رحلة إلى تنجداد ستكون تجربة فريدة.